صيد قرش متشمس نادر قبالة الحسيمة يثير تساؤلات علمية

صيد قرش متشمس نادر قبالة الحسيمة يثير تساؤلات علمية
شهد ميناء الحسيمة مؤخراً حادثة بيئية وعلمية غير مألوفة، تمثلت في رصد وصيد فرد يافع من سمك القرش العملاق المعروف بـ"القرش المتشمس" (Cetorhinus maximus).
هذا الحدث أثار اهتمام المهنيين والباحثين في علوم البحار، باعتباره ظهوراً نادراً لهذا النوع في المنطقة.
وأوضح الباحث طارق قيقاي، المتخصص في البيولوجيا البحرية بمختبر التنوع البيولوجي والإيكولوجيا والجينومات بكلية العلوم بالرباط، أن المعطيات الميدانية التي جمعت من مهنيي الصيد وتجار السمك بميناء الحسيمة تشير إلى أن المنطقة لم يسبق أن سجلت حضور هذا الصنف من القروش العملاقة، مما يمنح هذا الحدث قيمة علمية خاصة.
وأضاف أن السمكة التي تم اصطيادها تعد فرداً يافعاً، وقد جرى صيدها عرضياً بالقرب من الميناء بواسطة طرق الصيد الشائعة، فيما يعرف علمياً بظاهرة "الصيد العرضي".
ويجعل هذا المعطى من الواقعة مؤشراً مهماً لدراسة التحولات التي يعرفها النظام البيئي البحري في الحوض المتوسطي.
وأكد قيقاي أن "القرش المتشمس" يعد ثاني أكبر الأسماك في العالم، وأضخم صنف في البحر الأبيض المتوسط، إذ قد يصل طول الأفراد البالغة منه إلى أكثر من اثني عشر متراً بوزن قد يناهز ستة أطنان.
كما أن هذا النوع مدرج ضمن القائمة الحمراء للاتحاد الدولي للحفاظ على الطبيعة، بوصفه من الأنواع المهددة بالانقراض، وهو ما يفسر الاهتمام العلمي الكبير بكل رصد ميداني يتعلق به.
لذلك فإن توثيق ظهوره في المياه القريبة من ميناء الحسيمة يكتسي أهمية خاصة في سياق تتبع توزيع الأنواع البحرية الكبرى.
ومن الناحية البيولوجية، يوضح الباحث أن هذا القرش العملاق يتميز بطبيعته المسالمة، إذ يعتمد في غذائه على تصفية العوالق الحيوانية الدقيقة وبيض الأسماك والأسماك الصغيرة جداً.
غير أن ظهوره المفاجئ في محيط الميناء يطرح عدداً من الفرضيات العلمية المرتبطة بالتحولات البيئية.
ومن بين هذه الفرضيات احتمال تشكل ازدهار استثنائي للعوالق، نتيجة تغيرات مناخية أو أوقيانوغرافية، ما قد يكون جذب السمكة نحو المياه الساحلية بحثاً عن الغذاء.
كما تبرز فرضية أخرى ترتبط بالتيارات البحرية القوية، التي قد تكون جرفت هذا الفرد بعيداً عن أعماق البحر حيث يعيش عادة.
ويشير الباحث إلى أن المرحلة العمرية المبكرة لهذا القرش قد تجعل قدرته على مقاومة التيارات محدودة، مما يزيد من احتمال انجرافه نحو مناطق ساحلية غير مألوفة.
ويضيف أن هذه الظواهر ترتبط غالباً بدينامية التيارات وتغير الخصائص الفيزيائية للمياه، وهي عوامل أصبحت أكثر وضوحاً في ظل التحولات المناخية التي يشهدها البحر المتوسط.
وفي السياق ذاته، تطرح بعض الدراسات احتمال حدوث ما يسمى "التياهان الجغرافي" لمسارات الهجرة التي تربط المحيط الأطلسي بالبحر المتوسط عبر مضيق جبل طارق.
ويرجح أن يكون التلوث الضوضائي البحري الناتج عن حركة الملاحة المكثفة ومحركات السفن والصنارات قد ساهم في إرباك أجهزة الاستشعار لدى هذه الكائنات البحرية.
وقد يدفع ذلك بعض الأنواع إلى تغيير مساراتها الطبيعية والتوجه نحو مناطق ساحلية بحثاً عن ظروف بيئية أقل اضطراباً.
ولا ينفصل هذا الرصد العلمي عن السياق البيئي والاقتصادي الذي تعيشه المنطقة، حيث يشير عدد من المهنيين إلى تراجع ملحوظ في حجم المفرغات السمكية بالموانئ المحلية.
غير أن الباحث طارق قيقاي يوضح أن تقييم المخزون السمكي لا يمكن أن يعتمد فقط على هذه الأرقام، لأن حجم المفرغات يتأثر بعوامل متعددة مرتبطة بفعالية الصيد ونشاط الأسطول البحري.
ولذلك فإن تحديد الوضع الحقيقي للمخزون يتطلب دراسات ميدانية وبيولوجية دقيقة، تتجاوز مجرد قراءة الأرقام المسجلة في الموانئ.
وتعزز شهادات مهنيي الصيد هذه القراءة العلمية، إذ يشير بعضهم إلى أن أسطول صيد الأسماك السطحية الذي يعمل غالباً بالقرب من الساحل يواجه صعوبات متزايدة بسبب ندرة المصطادات، وتكثف الضغط على مناطق محدودة مثل "كيلاطي وخليج الحسيمة".
في المقابل، يؤكد بعض أصحاب مراكب الصيد بالخيط أن أجهزة الرصد لديهم تكشف وجود أسراب كثيفة من الأسماك السطحية عند التوغل قليلاً في عرض البحر، مما يطرح احتمال وجود مخزون مهم بعيداً عن المصايد الشائعة أو المعروفة.
ويرى الباحث أن هذا التباين يفرض إطلاق حملات أوقيانوغرافية استكشافية، لتحديد مواقع المصايد الجديدة بدقة وتوجيه نشاط الأساطيل البحرية نحوها.
فمثل هذه المبادرات من شأنها أن تخفف الضغط على المصايد الساحلية التي تعرضت للاستغلال المفرط خلال السنوات الماضية.
كما يشدد على أهمية تفعيل آلية "المناطق المتناقلة" كأداة تنظيمية، تسمح للمخزون السمكي القريب من الساحل باستعادة توازنه وضمان استدامته.
وفي ختام تحليله، يؤكد الباحث أن ظهور أنواع نادرة مثل القرش المتشمس يشكل مؤشراً مهماً على التحولات التي تعرفها الموائل البحرية في البحر المتوسط.
كما يدعو إلى تعزيز التعاون العلمي بين المراكز البحثية المتوسطية والجامعات، عبر تبادل البيانات وتتبع مسارات هجرة الأنواع البحرية الكبرى.
ويضيف أن إشراك المهنيين والبحارة في عملية الرصد الميداني ضمن ما يعرف بعلم المواطن البحري قد يشكل أداة فعالة لفهم هذه التحولات.
صيد قرش متشمس نادر قبالة الحسيمة يثير تساؤلات علمية
صيد قرش متشمس نادر قبالة الحسيمة يثير تساؤلات علمية

المصدر: albahrnews.com

شارك
ما رأيك في هذا الخبر؟

التعليقات (0)

أخبار ذات صلة

المزيد في الحسيمة
جنازة أم وابنتها ضحيتي حادث ميناء الجزيرة الخضراء بطنجة

جنازة أم وابنتها ضحيتي حادث ميناء الجزيرة الخضراء بطنجة

شيعت مدينة طنجة، اليوم السبت 5 شتنبر، جنازة أم وابنتها لقيتا مصرعهما في حادث سقوط سيارة في مياه ميناء الجزيرة الخضراء جنوب إسبانيا…
الحسيمة٠٥‏/٠٩‏/٢٠٢٦
حجز 100 غرام من الكوكايين بجماعة عبد الغاية السواحل

حجز 100 غرام من الكوكايين بجماعة عبد الغاية السواحل

تمكنت عناصر المركز الترابي للدرك الملكي بآكاون، تحت إشراف قائد المركز الجديد، اليوم السبت، من حجز سيارة رباعية الدفع على مستوى جماعة عبد…
الحسيمة٠٥‏/٠٩‏/٢٠٢٦
وثيقة رسمية مغربية تصنف سبتة ومليلية وجزر الحسيمة أراضٍ مغربية محتلة

وثيقة رسمية مغربية تصنف سبتة ومليلية وجزر الحسيمة أراضٍ مغربية محتلة

أعادت الأزمة الدبلوماسية بين المغرب وإسبانيا حول سبتة ومليلية إلى الواجهة وثيقة رسمية مغربية صادرة سنة 2009، نشرت في الجريدة الرسمية عدد…
الحسيمة٠٤‏/٠٩‏/٢٠٢٦
نشطاء بالحسيمة يعدون خطوات للرد على استفزازات إسبانيا بسبتة ومليلية

نشطاء بالحسيمة يعدون خطوات للرد على استفزازات إسبانيا بسبتة ومليلية

عقدت لجنة المطالبة بتحرير سبتة ومليلية والجزر التابعة لهما اجتماعا في الحسيمة حضره عشرات النشطاء، بينهم فاعلون من المدينتين المحتلتين،…
الحسيمة٠٤‏/٠٩‏/٢٠٢٦