مماد: إحداث قناة الثامنة تجربة فريدة وشكلت نقلة نوعية في ملف الأمازيغية

مماد: إحداث قناة الثامنة تجربة فريدة وشكلت نقلة نوعية في ملف الأمازيغية
قال محمد مماد، مدير القناة الثامنة (تمازيغت)، إن المؤسسة تمكنت من الوصول إلى مختلف شرائح المجتمع المغربي الناطقة باللغة الأمازيغية وغيرها، مشيرا إلى أن المرور نحو البث المتواصل 24/24 يتطلب مزيدا من الدعم للقناة.

وأضاف مماد، في حوار مع جريدة هسبريس، أن نسب المشاهدة التي تحققها قناة “تمازيغت” محترمة جدا، معتبرا أن اعتماد اللغة المعيارية في البث يتطلب مزيدا من الوقت ويواجه تحديات عديدة.

سنوات بعد إطلاق القناة الأمازيغية، كان الحديث دائما عن كونها تجربة فريدة وسابقة.. هل ما زالت تقييمات الانطلاقة قائمة وصحيحة؟ وكيف تقيم ما راكمته القناة؟

لا شك في ذلك هي فعلا تجربة فريدة من نوعها في مجال الإعلام التلفزيوني العمومي الوطني والإعلام الأمازيغي بصفة خاصة. إحداثها شكل فعلا نقلة نوعية بالنسبة لملف الأمازيغية في مجمله. ولتقييم أهمية إحداث هذه القناة ينبغي استحضار السياق التاريخي والسياسي والإعلامي الذي تم فيه إحداث هذه المؤسسة.

كان المغرب آنذاك بصدد تعزيز هياكل مؤسساته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهو البلد الذي جعل من الديمقراطية خيارا إستراتيجيًا منذ حصوله على الاستقلال تحت القيادة الحكيمة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس.

ولأن اليوم، أكثر من أي وقت مضى، لا يمكن الحديث عن أي عملية تنمية ناجعة ومندمجة دون مواكبتها بمنظومة إعلامية قوية فقد كان المغرب، وهو البلد الذي حقق وقتذاك إنجازات استثنائية في جميع المجالات، في حاجة ماسة إلى إعلام ديمقراطي وقوي ومندمج.

كان ذلك، في اعتقادي، من بين الدوافع الأساسية وراء إنشاء هذه القناة، وهو المشروع الذي كان يشكل آنذاك مطلبا سياسيا وإعلاميا ومجتمعيا لا يمكن التغاضي عنه. حينما اتخذ

قرار إحداثها ورصدت للمشروع اعتمادات مهمة وجُهزت بأحدث التقنيات والمعدات طُرحت إشكالية أخرى هي مسألة انعدام شبه تام للبرامج باللغة الأمازيغية بمختلف روافدها.

شكل ذلك الفراغ وقتئذ تحديا حقيقيا للفريق الذي كلف بتدبير القناة، ومع ذلك تم تجاوز كل العوائق والمطبات والعقبات واستطاعت القناة خلال السنوات الماضية تكوين رصيد مهم جدا من الأرشيف في مجال الدراما والبرامج الوثائقية وغيرها من الإنتاجات التلفزيونية، بالإضافة إلى المواكبة الشاملة والمتواصلة لجميع الأحداث المهمة التي عرفها المغرب على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

تحتوي خزانة القناة اليوم على أكثر من ستين مسلسلا وسلسلات وسيتكومات بالروافد الثلاثة للغة الأمازيغية وما يناهز مائتي فيلم تلفزي ومئات من السهرات الفنية التي أنتجت بمعايير تقنية وفنية من الطراز الرفيع. هذه الإنتاجات مكنت الفنان الأمازيغي من إبراز إنتاجاته وإبداعاته في الغناء والكوميديا، وهي فرصة لم تكن متاحة له أبدا في الماضي، وأنا أدرى بهذا الواقع جيدا بحكم المسؤوليات التي تقلدتها سابقا في مجال الإنتاج التلفزيوني.

ما هي الأمور التي استطاعت فيها القناة تحقيق التميز وإضفاء البصمة في المشهد الإعلامي المغربي؟

يعتبر قرار إنشائها في حد ذاته أمرًا في غاية الأهمية باعتباره استجابة حقيقية وأساسية لمطلب طالما دافعت عنه جل الجمعيات الأمازيغية بمختلف توجهاتها وانتماءاتها والأحزاب السياسية والمنظمات الحقوقية. مطلب مهم استجابت له الدولة في سياق التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي عرفها المغرب منذ بداية الألفية الثالثة. هو كذلك استجابة موضوعية لجزء من انتظارات المغاربة والمتمثلة في تعزيز المنظومة الإعلامية الوطنية بقنوات وإذاعات ناطقة باللغة الأمازيغية بمختلف روافدها وتمكين الناطقين حصريا باللغة العربية من مواكبة الأحداث التي تقع في المغرب وخارجه وتمكين المغاربة المقيمين بالخارج كذلك من متابعة ما يجري في بلادهم باللغة التي يتقنونها.

هذا حق يضمنه الدستور الجديد لجميع المغاربة أفرادا وجماعات، وهم معتزون أينما وجدوا بالمسيرة الديمقراطية التي انخرط فيه المغرب خلال السنوات الأخيرة. لقد ساهمت القناة في تعزيز الممارسة الديمقراطية ببلادنا، من خلال البرامج السياسية التي قامت بإنتاجها وبثها منذ نشأتها فاتح مارس من ستة 2010. ونذكر، على سبيل المثال لا الحصر، مواكبة القناة لمختلف الاستحقاقات الانتخابية التي عرفها المغرب منذ ذلك التاريخ؛ كعملية الاستفتاء على الدستور الجديد، وانتخابات 2016 التي تلتها خلال شهر شتنبر من ستة 2021، بالإضافة إلى عشرات البرامج الخاصة التي خصصتها القناة للجالية المغربية في الخارج ولأمازيغ العالم في ليبيا وتونس ومتابعة الأوضاع في فلسطين.

في المقابل، ما هي الأمور التي لا تزال محبطة للقناة على المستويين المالي والمهني؟

أي مؤسسة كيفما كان حجمها ومجال نشاطها في حاجة دائمة إلى مزيد من الاعتمادات المالية والإمكانات البشرية والتقنية واللوجستيكية. “تمازيغت” لم تكن استثناء في هذا المجال، ولن تكون كذلك أبدا. المهم في هذا الأمر هو احترام مقتضيات دفتر التحملات لا أقل ولا أكثر.

هذا ما حرصنا عليه خلال السنوات الماضية، من خلال عملية تنزيل لمضامين دفتر تحملات القناة واقتدائنا بتوجيهات إدارة الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة التي بذلت منذ إنشائها مجهودات كبيرة من أجل إخراج هذا المشروع إلى حيز الوجود.

القناة اليوم في حاجة إلى إمكانيات إضافية للمرور مثلا إلى البث المتواصل 24/24، وهي عملية تحتاج إلى مزيد من الدعم من طرف الدولة صاحبة المشروع في آخر المطاف.

“تمازيغت” قناة عامة ودفتر تحملاتها ينص على ذلك بوضوح. الجمهور المستهدف هو الشعب المغربي كافة أينما وجد داخل وخارج الوطن. هي جزء لا يتجزأ من المنظومة الإعلامية السمعية البصرية العمومية الوطنية وتقوم بدورها بشكل ناجع وفعال، في حدود نطاق ما تنص عليه النصوص القانونية المؤطرة لها والتي بموجبها تم إحداثها. فيما يخص الإمكانات المتاحة اليوم نقوم بتدبيرها بأقصى ما يمكن من الترشيد والاستغلال العقلاني لها. لا شك في أن ما هو آت سيكون أفضل بكثير مما هو كائن اليوم، وسيعرف القطاع تحولات جذرية في المستقبل القريب جدا وأنا متفائل جدا.

هناك انتقادات عديدة تطال حضور اللغة الأمازيغية وجودة الترجمة، أين وصلت مصالح القناة والمعهد الملكي في هذا الباب؟

لا يمكن لأي مشروع كيفما كان نوعه ومجال نشاطه أن يحقق جميع أهدافه وبأدق جزئياته. النقد شيء مشروع وضروري؛ لكن ينبغي أن يتم هذا النقد على أسس موضوعية وبحسن نية. نعم، هناك أحيانا أخطاء في الترجمة في بعض البرامج، وهذا أمر عادي ونعرف ذلك جيدا؛ لكن نقوم دائما بتصويبها كلما علمنا بها، سواء تعلق الأمر بالبرامج المنتجة داخليا أو تلك التي يتم تفويض إنتاجها لشركات إنتاج خارجية.

تأتينا بين الفينة والأخرى ملاحظات من هذا النوع من طرف خبراء في اللغة من المعهد الملكي، وهذا أمر طبيعي. نأخذ بها بطبيعة الحال؛ بل أكثر من ذلك نلجأ أحيانا إليهم طلبا للمشورة والنصح. هدفنا واحد، وعملنا فيه نوع من التكامل خدمة للغة والثقافة الأمازيغيتين.

بعد هذا المسار الذي راكمه محمد مماد في القناة والإعلام الأمازيغي، كيف تقيم حضور اللهجات الثلاث في الإعلام؟ وأي أفق لحضور لغة معيارية؟

للجواب عن هذا السؤال المهم جدا، أود التذكير بأمر في غاية الأهمية ألا وهو أن الفنان الأمازيغي بمختلف تخصصاته وانتماءاته اللسنية والجغرافية لم يكن بالأمس القريب بإمكانه أن يبث أعماله على القنوات العمومية، إلا في حالات استثنائية جدا. إحداث هذه القناة مكن الفنان الأمازيغي من المشاركة في جميع البرامج الترفيهية المباشرة منها والمسجلة.

ينطبق الكلام نفسه على الفاعلين الجمعويين والسياسيين والأدباء والأساتذة الجامعيين الذين فتحت لهم القناة “أبوابها على مصراعيها” ومكنتهم من التعبير عن آرائهم والمشاركة في النقاشات العامة بدون قيد أو شرط. هذا الخط الإعلامي الذي اعتمدته القناة والمنفتح على جميع الفعاليات داخل المجتمع كان له كذلك دور كبير في النهوض باللغة والثقافة الأمازيغيتين، كما أكد على ذلك صاحب الجلالة الملك محمد السادس في خطابه التاريخي بأجدير يوم السابع عشر من شهر أكتوبر من سنة 2001.

فيما يخص اللغة المعيارية، فذاك مشروع كبير ومتعدد الأبعاد يعمل على تنزيله المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية ونساهم بدورنا في تجسيده على أرض الواقع. هو ورش في حاجة إلى الوقت الكافي والإمكانات وتكون في مستوى ما يمثله من تحديات وهي كثيرة ومعقدة كما تعلمون.

بالرغم من أن القناة تجاوزت مرحلة البدايات فإن وتيرة إنتاجها الداخلي والخارجي محدودة نوعا ما؛ مثلا نمطية المواضيع التي تناقشها بعض البرامج التي تتشابه من حيث المضمون، وكذلك غياب الاهتمام ببعض القضايا مثل الرياضة والأطفال؟

تلكم أحكام مجحفة في حق القناة وطواقمها. هو تقييم يفتقد إلى الدقة والموضوعية لكونه لا يعكس المجهودات الحقيقية التي تقوم القناة بها في مجال الإنتاج والبث. بالنسبة للإنتاج الداخلي مثلا أدعوك إلى الاطلاع على التقارير الرسمية التي تنشرها سنويا الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري وستكتشف أن معطياتك حول هذا الموضوع خاطئة جملة وتفصيلا ولا أساس لها من الصحة. ستتفاجأ بالكم الهائل من البرامج التي تنتجها داخليا، خصوصا حينما نقارن حجم تلك الإنتاجات بالإمكانات البشرية والتقنية واللوجستية التي تتم بها عملية الإنتاج تلك.

إنجازاتنا بالأرقام، وليس بالكلام. قد أتفق معك إلى حد ما فيما يخص برامج الأطفال، التي فيها خصاص حقيقي من حيث الكم لأسباب قد يطول شرحها هنا؛ لكننا نعمل على تجاوز هذه المشكلة. أما فيما يخص برامج الرياضة فمرة أخرى لا أشاطرك الرأي؛ لأن القناة تبث برنامجا خاصا ومباراتين لكرة القدم على الأقل كل أسبوع باللغة الأمازيغية وتتابع جميع التظاهرات الرياضية المهمة التي يتم تنظيمها في المغرب وخارجه؛ لكن يجب أن لا ننسى أن “تمازيغت” قناة عامة وليست موضوعاتية كالرياضية على سبيل المثال.

كيف تقيم نسب مشاهدة القناة؟ وهل استطاعت تحقيق المبتغى على مستوى الانتشار؟

لا ينبغي اعتبار نسبة المشاهدة عنصرا أساسيا، على الرغم من أهميته القصوى لتقييم نجاح أو فشل أي مؤسسة إعلامية. نجاح أو فشل هذه الأخيرة رهين بنسبة تحقيق الأهداف التي أحدثت من أجلها.

القنوات الأمازيغية إذاعة وتلفزة كانت دائما ولا تزال نسب مشاهدتها في مستوى انتظاراتنا، وهي أرقام محترمة جدا إذا أخدنا بعين الاعتبار معطى أساسيا والمتمثل في ضرورة التقيد بمقتضيات دفاتر التحملات.

القنوات العمومية مطالبة بالقيام بدورها كاملا في عملية الإخبار والتربية والتثقيف، وهذا أمر لا يلزم القنوات التجارية على سبيل المثال. لا تنسى، أخي العزيز، أنني كنت لفترة طويلة مديرا للبرامج والأخبار في القناة الثانية وأشرفت يومذاك على إنتاج وبث جميع أصناف البرامج وحققنا أعلى نسب للبرامج الترفيهية والسياسية والاقتصادية والأعمال الدرامية وغيرها؛ لكن كما يقوم المثل لكل مقام مقال.

هل استطاعت القناة الوصول إلى المشاهد المغربي غير الناطق بالأمازيغية؟

أكيد. لكن يجدر التأكيد في هذا الصدد أن “تمازيغت” حينما انطلق بثها كان شعارها آنذاك “تمازيغت، قناة لكل المغاربة” إيمانًا منا بأن الجمهور المستهدف لن يتكون من المغاربة الناطقين بالأمازيغية فحسب؛ بل من جميع المغاربة بمختلف فئاتهم العمرية، أينما وجدوا في الحواضر والبوادي.

قوة المغرب في تنوعه وتماسكه الثقافي واللسني، وهذا معطى مهم يجب استحضاره دائما في مثل هذه الحالات. جل البرامج التي تنتجها أو تبثها القناة تتم دبلجتها باللغة العربية الفصحى والتيفيناغ، كما اعتمدنا تقنية البث المتزامن الذي يمكن المشاهد من متابعة برامج القناة بالرافد اللغوي الذي يتقنه؛ وذلك بالضغط على زر الصوت المثبت على جميع أنواع التليكموند. هي تقنية مكنتنا من الوصول إلى جميع أنواع الجماهير، الذين يتقنون اللغة الأمازيغية بجميع روافدها وغيرهم. وتبقى البرامج الترفيهية أحسن وسيلة للوصول إلى الشرائح المجتمعية غير الناطقة بالأمازيغية؛ ذلك لأن فنون الغناء والعزف عابرة للحواجز اللغوية واللسنية.

تمكنت القناة من إعطاء الأغنية الأمازيغية إشعاعا حقيقيا بين مختلف شرائح المجتمع المغربي غير الناطقة باللغة الأمازيغية. وهنا يبرز دور القناة والإذاعة الأمازيغيتين في تعزيز التماسك الهوياتي في المغرب وبناء جسور التواصل مع مختلف الأجيال المشكلة للجالية المغربية بمختلف فئاتها العمرية وأماكن تواجدها في بلدان المهجر.

الخميس 20 أكتوبر - 19:54
مصدر : nadorcity.com.